ابو القاسم عبد الكريم القشيري

73

لطائف الإشارات

أن يتخلل أوقاتك نفس لحظّك دون القيام بحقه ، ومن فسادك في الأرض ساعة تجرى عليك ولم تره فيها . ألا إن ذلك هو الخسران المبين ، والمحنة العظمة ، والرزية الكبرى . قوله جل ذكره : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 28 ] كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( 28 ) هذه كلمة تعجيب وتعظيم لما فيه العبد ، أي لا ينبغي مع ظهور الآيات أن يجنح إلى الكفر قلبه . ويقال تعرّف إلى الخلق بلوائح دلالاته ، ولوامع آياته . فقال : « وَكُنْتُمْ أَمْواتاً » يعنى نطفة ، أجزاؤها متساوية ، « فَأَحْياكُمْ » : بشرا اختصّ بعض أجزاء النطفة بكونه عظما ، وبعضها بكونه لحما ، وبعضها بكونه شعرا ، وبعضها بكونه جلدا . . . إلى غير ذلك . « ثُمَّ يُمِيتُكُمْ » بأن يجعلكم عظاما ورفاتا ، « ثُمَّ يُحْيِيكُمْ » بأن يحشركم بعد ما صرتم أمواتا ، « ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ » أي إلى ما سبق به حكم من السعادة والشقاوة . ويقال « كُنْتُمْ أَمْواتاً » بجهلكم عنّا ، « فَأَحْياكُمْ » بمعرفتكم بنا ، « ثُمَّ يُمِيتُكُمْ » عن شواهدكم ، « ثُمَّ يُحْيِيكُمْ » به بأن يأخذكم عنكم ، « ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ » أي بحفظ أحكام الشرع بإجراء الحق « 1 » . ويقال « كُنْتُمْ أَمْواتاً » لبقاء نفوسكم فأحياكم بفناء نفوسكم ثم يميتكم عنكم عن شهود ذلك لئلا تلاحظوه فيفسد عليكم ، ثم يحييكم بأن يأخذكم عنكم ثم إليه ترجعون بتقلبكم في قبضته سبحانه وتعالى . ويقال يحبس عليهم الأحوال ؛ فلا حياة بالدوام ولا فناء بالكلية ، كلّما قالوا هذه حياة - وبيناهم كذلك - إذ أدال عليهم فأفناهم ، فإذا صاروا إلى الفناء أثبتهم وأبقاهم ، فهم أبدا بين نفى وإثبات ، وبين بقاء وفناء ، وبين صحو ومحو . . . كذلك جرت سنته سبحانه معهم .

--> ( 1 ) وردت ( بأجزاء ) وهي خطأ قطعا . والمقصود بإجراء الحق هنا هو ما سبق ان نوّهنا به في هامش سابق عن حالة الفرق الثاني حيث « يرد العبد إلى الصحو عند أوقات أداء الفرائض ليجرى عليه الفرائض في أوقاتها فيكون رجوعا للّه باللّه . فالحق مجرى أفعاله وأحواله عليه » الرسالة ص 39 .